التخطي إلى المحتوى

اتفق قادة الاتحاد الأوروبي يوم الثلاثاء 21 تموز/ يوليو الماضي على اطلاق صندوق انعاش اقتصادي ضخم في مشهد تم وصفهبالتاريخي، ويعكس الاتفاقمدى التعاون المالي المشترك بين دول الكتلة، وتبلغ قيمة الصندوق 750 مليار يورو ( أي ما يعادل 860مليار دولار) الذي يهدف إلىمساعدة الدول الأعضاء التي تضررت بشدة من جائحة فيروس كورونا، وذلك ضمن خطط الاتحاد الأوروبي على التخفيف من الانكماش الاقتصادي.

لقد كان لوباء فيروس كورونا آثار سلبية كبيرةعلى الدول الأوروبية، كانت الخسائر في الأرواح والأزمة الصحية فادحة بشكل عام، ومع عمليات الإغلاق الواسعة النطاق للحد من انتشار الفيروس توقف النشاط الاقتصادي وانخفض اليورو في سوق فوركس لتداول العملات،ونتيجة لذلك واجهت أوروبا أشد أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير، وبالرغم من ذلك خلقت هذه الأزمة أيضًا فرصة لإعادة النظر في السياسة الاقتصادية وتحسينها وخلق مستقبل أفضل وأكثر خضرة لأوروبا.

فأصبح الاتحاد الأوروبي مسئولًا وملتزمًابالتخفيف من تأثير جائحة فيروس كورونا وبناء اقتصاد أكثر مرونة، وقد دعم زعماء دول الاتحادرؤية الاتحاد الأوروبي لضمان انتعاش اقتصاديسريع من خلال موافقتهم الرسمية على صندوق الانعاش الاقتصادي.

هذه الصفقة ستُمكن أوروبا من مواجهة التحديات متعددة الجوانب في السنوات القادمة، ليس فقط من خلال تعزيز الاستثمار العام والخاص لتأمين الوظائفومساعدة القطاعات والمناطق الأكثر تأثرًا وحماية المواطنين الأوروبيين من التعرض للأسوأ، ولكن أيضًا من خلال وضع أوروبا في مقدمة الثورات الخضراء والرقمية باعتبارها دافعًا للتعافي والمرونة والقدرة التنافسية.

الاتفاق التاريخي

جاء اتفاق الانعاش الاقتصادي بعد أكثر من أربعة أيام من المفاوضات الصعبة في بروكسل، حيث تطلب موافقة بالإجماع من جميع الدول الأعضاء الـ27،ويمثل الاتفاقانتصارًا للمستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” والرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”لأنهم من تقدموابمقترح صندوق الانعاش الاقتصادي في آيار/ مايو، وسيقدم الصندوق منحًا بقيمة 390 مليار يورو و 360 مليار يورو من القروض منخفضة الفائدة، تم تخصيص ما يقرب من ثلث الأموال لمكافحة تغير المناخ.

اتفق قادة الاتحاد الأوروبي أيضًا على الإطار المالي المتعدد السنواتوالميزانية المقبلة التي تبلغ قيمتها تريليون يورو ومدتها سبع سنوات والتي تُعد أكبر حزمة تحفيزية في التاريخ، يجب أن تكون جميع النفقات متسقة مع هدف اتفاقية باريس في خفض غازات الدفيئة.

لن يكون صندوق التعافي دعم مالي لاقتصادات دول جنوب أوروبا التي تعتبر الأكثر تضررًا من الفيروس فحسب، بل سيكون بمثابة تأكيد على أن الكتلة الأوروبية لا تزال قادرة على أن تقدم تضامنًا حقيقيًا مع الأعضاء المحتاجين،ومن جهة أخرى يدعم الاتفاقالمستثمرين الذين يتطلعون إلى إظهار الوحدة للحفاظ على ارتفاع الأسهم.

من المتوقع أن تكون ايطاليا أكبر المستفيدين من الخطة لأنها كان المركز الرئيسي في أوروبا للوباء، وقد تحصل على منح بقيمة  82 مليار يورو وحوالي 127 مليار يورو على هيئة قروض.

الخلافات بين الدول الأعضاء

لم يأت الاتفاق بسهولة،فمنذ اعلان الاتحاد الأوروبي عن صندوق التعافي الاقتصاديفي آيار/ مايو حتى 21 تموز/ يوليو والدول الأعضاء تتجادل حول التفاصيل الدقيقة للصندوق، واقتربت المحادثات من الانهيار عدة مرات، حيث واجهت المقترحات عقبات وانقسامات بين الدول الأوروبية حول توزيع وهيكل الصندوق، فعلى سبيل المثال:الاختلاف بين الدول التي تفضل القروض بدلاً من المنح وفشل قمة أوروبية في منتصف حزيران/ يونيو في التوصل إلى اتفاق بشأن الاقتراح.

في البداية اقترح الاتحاد الأوروبي تقديم منح بقيمة 500 مليار يورو ثم قلصها لتصبح 450 مليار يورو ثم 400إلى أن أصبحت 380 مليار يورو، وذلك بسبب اعتراض الدول المقتصدة وهي السويد وهولندا والنمسا والدنمارك وفنلندا التي قالت أن المنح يجب ألا تزيد عن 350 مليار يورو.

وفي النهاية استطاع رئيس الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى حلول وسط تُرضي جميع الأطراف المعنية، حيث خفض قيمة المنح لتقترب من قيمة القروض والزام الدول المستقبلة للمنح بضرورة الالتزام بخطط اصلاح هيكلية في اقتصادها وإلا سيتم وقف المنح.

وصف الاتحاد الأوروبي الصندوق بأنه “استجابة استثنائية” “للظروف المؤقتة” وهذا يعني أن قدرة الاقتراض لدى المفوضية محدود بشكل واضح من حيث الحجم والمدة والنطاق،ومع ذلك فإن الصندوق سيكون مقدمة لأزمات مستقبلية التي يمكن أن تعزز القدرة على سياسة مواجهة التقلبات الدورية.

توقعات بركود عميق

أعلنت اللجنة الاقتصادية لدي الاتحاد الأوروبي في بداية شهر تموز/ يوليو الماضي عن صورة قاتمة للاقتصاد الأوروبي هذا العام نتيجة الآثار السلبية لجائحة فيروس كورونا، وتوقعت انخفاض اقتصاد منطقة اليورو بشكل عميق على أن يشهد انتعاشًا بوتيرة منخفضة في العام المقبل.

وقالت اللجنة إن فرنسا وإيطاليا وإسبانيا ستنكمش بأكثر من 10% هذا العام، وستشهد منطقة اليورو التي تضم 19 دولة ركودًا بنسبة قياسية 8.7% هذا العام قبل أن تنمو بنسبة 6.1% عام2021، وقد توقعت اللجنة في آيار/ مايو انكماش الاقتصاد الأوروبي بنحو 7.7% في 2020 على أن يشهد انتعاش بنسبة 6.3% في عام 2021.

تأتي تلك التوقعات الكئيبة على الرغم من الأرقام المشجعة التي تم اعلانها في شهر تموز/ يوليو، والتي تشير إلى أن الانتعاش الاقتصادي الأوروبي يتسارع بوتيرة أسرع، حيث أشارت مؤشرات مديري المشتريات إلى انتعاش حاد في منطقة اليورو والمملكة المتحدة على حد سواء.

يجب ألا يكون هناك رضاء عن الانتعاش، فقد تكون مؤشرات مديري المشتريات مضللة خاصة وأنالقراءات في يونيو أظهرت انخفاضات مستمرة في الإنتاج على الرغم من تخفيف إجراءات الإغلاق، مما دفع العديد من الاقتصاديين إلى تبرير البيانات الايجابية التي قد تكون استجابة جيدة للصحة العامة بشكل صحيح فسوف يتبعها الاقتصاد.

قفز اليورو إلى أعلى مستوى له منذ عام 2018عقب الاتفاق على صندوق الانتعاش،وانخفضت تكاليف الاقتراض الإيطالية لمدة 10 سنوات إلى أدنى مستوياتها التي شوهدت آخر مرة في شباط/ فبراير الماضي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *